الحكاية والرواية الشعبية المقدسية

تعتبر الحكاية الشعبية، وهي جزء من التراث الشعبي ، ناتجا للتراكم الثقافي والفكري المستمر، جسد فيه الانسان طموحاته وأحلامه ومعاناته، وتكون نتيجة التفاعل الحيوي بين الانسان وبيئته الطبيعية والاجتماعية، وتأثر بثقافات بعض الشعوب الأخرى، وشكل في النهاية منظومة شعبية انسانية عظيمة. لا أريد الدخول في التعريفات المختلفة للحكاية الشعبية، وسأكتفي بالقول بأن الحكاية الشعبية هي خرافة، أو سرد قصصي تضرب جذورها في أوساط شعب وتعد من مأثوراته التقليدية، وخاصة في التراث الشفوي، ويغطي المصطلح مدى واسعا، ابتداء من الاساطير السافرة الى حكايات الجان الى قصص الأطفال التراثية.. الحكاية والرواية الشعبية المقدسية مقدمة  تعتبر الحكاية الشعبية، وهي جزء من التراث الشعبي ، ناتجا للتراكم الثقافي والفكري المستمر، جسد فيه الانسان طموحاته وأحلامه ومعاناته، وتكون نتيجة التفاعل الحيوي بين الانسان وبيئته الطبيعية والاجتماعية، وتأثر بثقافات بعض الشعوب الأخرى، وشكل في النهاية منظومة شعبية انسانية عظيمة. لا أريد الدخول في التعريفات المختلفة للحكاية الشعبية، وسأكتفي بالقول بأن الحكاية الشعبية هي خرافة، أو سرد قصصي تضرب جذورها في أوساط شعب وتعد من مأثوراته التقليدية، وخاصة في التراث الشفوي، ويغطي المصطلح مدى واسعا، ابتداء من الاساطير السافرة الى حكايات الجان الى قصص الأطفال التراثية.. وفي فلسطين، حظيت الحكاية الشعبية باهتمام بالغ بين طبقات المجتمع في القرية والمدينة والبادية، لكن المجتمع القروي أعطاعا أهمية أكبر مما أعطاها المجتمع في المدينة، نظرا لوجود مجالات أخرى للتسلية وقضاء الوقت في المدينة ، كما قام العديد من الباحثين بتدوين وعمل دراسات عن التراث الشعبي ومن ضمنه الحكاية الشعبية في القرية أكثر مما حظي به التراث الشعبي في المدينة من اهتمام أو تدوين من قبل الدارسين. وبالتالي فإن هناك ندرة في الدراسات عن التراث الشعبي في مدينة القدس، والادب الشعبي المقدسي وبشكل خاص، الحكاية الشعبية المقدسية. كما لم يتم تدوين القصص الشعبية المقدسية، أو تسجيلها بالصوت كما تروى باللهجة المحكية في القدس، وما وصل الى أيدينا فقط، فقرات من هنا وهناك تقارن بين بعض القصص الشعبية واختلاف روايتها بين المدينة والقرية. ينطبق ذلك أيضا على الملابس الشعبية، فقد كان اهتمامنا \" بالثوب الفلاحي الفلسطيني وأنواعه والمطرزات الفلاحية أكثر من اهتمامنا بملابس سكان المدن، والقدس هي أهم المدن الفلسطينية.  إجمالا فإن عنصر الخيال يغلب على الحكاية الشعبية لدى كل الشعوب في العالم.   الحكاية الشعبية في بلاد الشام والحكاية الشعبية الفلسطينية بشكل عام هي جزء من الحكاية الشعبية في بلاد الشام، بل تكاد معظم الحكايات الشعبية تتشابه بالاسم أحيانا، وبالمضمون أحيانا أخرى في كل من لبنان وسوريا وفلسطين وشرق الأردن، وإن كانت الحكاية الشعبية في شرق الأردن أقرب إلى الحكاية البدوية، لكن هذه الحكاية أيضا ليست بغريبة عن الحكاية الشعبية الفلسطينية، وخاصة في القرى الفلسطينية.  الاختلاف إذن في الحكاية الشعبية في بلاد الشام، يعود إلى اللهجة المحكية المحلية، وقد تختلف الأسماء بحسب المناطق، ففي المناطق المسيحية في جبل لبنان يأخذ أسماء أبطالها الأسماء المسيحية، ولكننا نجد تشابها مثلا في الروايات الإسلامية والمسيحية لقصص الخضر، الذي تقدسه الديانتين. يعود التشابه بالتأكيد لكون مجتمع بلاد الشام كان جزءا متكاملا جغرافيا، وسياسيا أيضا خلال فترات الحكم الإسلامي، حتى أننا كنا نجد زمن الحكم العثماني بعض المدن الفلسطينية تتبع سنجق بيروت ، أو صيدا، أو دمشق، بينما نجد بعض المدن اللبنانية والسورية والأردنية تتبع سنجق أو متصرفية صفد أو عكا أو نابلس، ولا عجب إذن أن نرى التشابه الواضح في الرواية الشعبية بين مناطق بلاد الشام، علاوة على أنه كان هناك اختلاط عن طريق الزواج بين فلسطينيين ولبنانيين أو سوريين، وخاصة في نهاية القرن التاسع عشر، كرغبة في التهرب من التجنيد الإجباري التركي، حيث كان القانون التركي يعفي من التجنيد من كانت زوجته غريبة ديار، يبعد مكان سكن ألأصلي 300 كم ، ولذلك كثر زواج  الفلسطيني من شامية أو طرابلسية ، ومع هذا النوع من الزواج انتقلت القصص الشعبية واختلطت بين مناطق بلاد الشام.    التأثر بالرواية الشعبية العالمية تأثرت الرواية الشعبية في بلاد الشام بالرواية الشعبية العالمية، وجاء هذا التأثر أولا كأثر جانبي قديم للحروب الصليبية، أو لاعتبار الأراضي المقدسة منطقة يزورها الأجانب بغرض الحج،  حيث أقام بعضهم بها وكون جاليات كالجالية الروسية والأرمنية، والالمانية والأمريكية ذات الأصول السويدية وغيرها.. ولذلك رأينا قصة سندريلا مثلا تكاد تكون قصة شعبية محلية أيضا، وكذلك ليلى الحمراء أو ليلى والذئب ، وكلتاهما حكايتا أطفال شعبيتين أوروبيتين . الحكاية الشعبية في القدس من كل ما تقدم، فإن الحكاية الشعبية في القدس، هي حكاية  مدينية أو \" مدنية \" ، بمعنى أنها تأثرت بحياة المدينة، لهجة وبيئة ونمط حياة ، فالحكايات الشعبية، وخاصة حكايات الاطفال في القدس ذكرت بئر الماء ولم تذكر نبع الماء، فالقدس لا يوجد بين أسوارها أي نبع ماء، وكانت تعتمد على أبار تجميع مياه الأمطار كمصدر أساسي لسد حاجة سكانها للمياه. بينما نفس الحكايات الشعبية رويت في القرى عند نبع الماء .. واستخدم \" دلو الماء\" في الرواية المقدسية بينما استخدمت \" ألجرة \" في نفس الروايات في الريف الفلسطيني.  ووجه اختلاف آخر نجده واضحا على سبيل المثال في القصة الشعبية \" محمد يرث ومحمد لا يرث\"  التي انتشرت في نهاية القرن التاسع عشر وأصبحت تحكى في المضافات والمقاهي والتي تبين دقة الملاحظة والفطنة والذكاء والحكمة، فقد استمعت إلى نفس القصة برواية بدوية، ورواية قروية لشمال فلسطين وأخرى من جبل الخليل، ووجدت بعض الاختلافات في الكلمات إضافة الى الاختلاف في اللهجة، بعض الروايات استخدمت كلمات بذيئة لم تستعمل في الرواية المقدسية، وبعضها استخدمت على سبيل المثال كلمة \"بندوق\" بينما في الرواية الشعبية المقدسية استخدم تعبير \" ابن الحرام \" وعلى ذلك فإننا نجد الرواية الشعبية المقدسية هي الأكثر ليونة وسلاسة في استخدام الالفاظ، وتجنب النابي منها. لم تخل الحكاية الشعبية في القدس من المضامين الأساسية للحكايات الشعبية الهادفة إلى التربية والتعليم والتوجيه والتحذير ، ولكن بعض الحكايات لم يكن فيها أي من هذه القيم أو الأهداف النبيلة ، وسيطرت الخرافات على بعضها، وبعضها تحدث عن السحرة والجان والمارد والغولة .. وهي ظاهرة عامة في الحكايات الشعبية العربية إجمالا. حدوتة قبل النوم : ولعل قصص الأطفال هي الأكثر شيوعا في الرواية الشعبية المقدسية، ذلك أنها تدخل كل بيت ، وترويها كل أم لأطفالها، تنقلها لهم كما سمعتها من أمها ومن جدتها، ولذلك نراها هي الأبقى .. وبالطبع فإن قصص الأطفال متشابهة بين القرية والمدينة، مع اختلاف اللهجات ومدى التأثر بالبيئة المحلية كما ذكرنا، فقصة \" جبينة \" مثلا موجودة في القرية وفي المدينة، وقصة حديدون وانخيلون واقزيزون، كما روتها أمهات القدس لأطفالهن، نجد اسمها حجيرون وخشيبون في بعض القرى ، نفس المضمون، ونفس \" ألغولة \" .. في جميع الروايات ... وحكاية نص انصيص ، وعقلة الإصبع ، نجدها في القرية وفي القدس أيضا والشاطر حسن نجدها في كل فلسطين وفي مصر أيضا .. ولكني بحثت عن قصة \" خنيفسة \" مثلا ولم أجدها في الريف الفلسطيني إطلاقا، ولكني وجدت قصة خنيفسه تروى بشكل مغاير كليا في دمشق وهناك إختلاف في المضمون والكلمات وشكل الرواية ، أما قصة \" القط أبوعلي\" فلم أجدها لها أثرا في أي من القرى الفلسطينية، وعليه فإننا يمكن أن نعتبر هاتين القصتين (خنيفسه , القط أبو علي )نموذجا لحكايات الأطفال التي تنفرد بها القدس عن غيرها من المدن والقرى الفلسطينية. ويمكن أن تكون قصة \" خالتي أم خليل \" من هذا النوع أيضا. بالطبع قصص الأطفال تعتبر مصدرا تراثيا هاما للحدوتة الشعبية، التي تهدف إلى تعليم الطفل وتقديم النصح له، وتخويفه أحيانا ( كي لا يخرج في المساء ليلعب في الحارة حيث يكون مدخل الزقاق أو الحوش معتما حيث يتم التخويف في القصة الشعبية بوجود الغولة أو \"العمورة\" التي تظهر في الليل)  .. وفي بعض القرى ومدينة الخليل استخدم \" الرصد\" كنوع من الجان .. لكن قصص القدس استخدم فيها الجني الطيب ، بينما الرصد تعبير عن الجني الغير طيب. بعض قصص الأطفال يمكن أن تكون \" تهليلة قبل النوم \" أيضا وهذا واضح في قصة \"خنيفسه\" التي أسعدني الحظ في أن أقوم بإحيائها ونشرها في كتاب مقروء مرئي مسموع ، باللهجة المقدسية القديمة.  الحكواتي في القدس  كان سرد القصص الشعبية هو مهمة الحكواتي، وشخصية الحكواتي لعبت دورا تراثيا هاما في معظم بلاد الشام ومصر أيضا، وشخصية الحكواتي البدوية، وهو يحمل ربابته ويعزف عليها ويقول القصص ملحنة كليا أو جزئيا ، تختلف عن الحكواتي في المدينة، الذي يعتمد على الاثارة بطريقة إلقاءه للقصة، باللغة المنطوقة ولغة الجسد أيضا ، ليبقي مستمعيه متشوقين لقصصه التي تنتقى عادة من قصص أبطال العرب، كعنترة ابن شداد، وأبو زيد الهلالي ، والملك سيف بن ذي يزن ، والظاهر بيبرس ، وحمزة البهلوان. وكان الحكواتي في القدس يجلس في أحد المقاهي المقدسية ويحكي حكاياته، وأحيانا كان يجلس في أحد الحمامات ، ويتجمع حوله الناس ليستمعوا، وكان يروي القصة على حلقات، ويقف في موقف حرج ويقول لمستمعيه أنه سيكمل الحكاية في الغد، لتشجيعهم على الحضور للمقهى في اليوم التالي ، وآخر حكواتي في القدس هو المرحوم صالح خميس. ونلاحظ أن قصص الحكواتي في بلاد الشام ومصر متشابهة تقريبا، ومعظمهم كان يقرأها من كتاب معه .   دواوين العائلات  وكانت دواوين عائلات القدس تستضيف في بعض الأحيان حكواتيا يقوم بتسلية أفراد العائلة، أو ضيوفهم ، وأحيانا كان أحد المتعلمين من أبناء العائلة يقوم برواية القصص ، وخاصة قصص الأنبياء في الديوان العائلي.   استقبالات السيدات رأينا في القدس أنه كان هناك حكواتية نساء، يقمن بسرد قصص أبطال العرب، وقصص الحب في مجنون ليلى وأشعاره، أو عنترة وعبلة ..  كانت استقبالات السيدات هو المكان الذي تقص فيه الحكواتية قصصها، واستقبالات السيدات، وخاصة الثريات من العائلات المقدسية القديمة، تتم يوما في الشهر، بعد الظهر، وتتنافس السيدات في تقديم المأكولات والحلويات والمكسرات والعصائر لضيفاتهن ، وأحيانا يحضرن إحدى الحكواتية من النساء لهذا الاستقبال لتقص بعضا من قصصها . وفي الثلاثينات من القرن الماضي، كانت بعض الحكواتية من النساء، يقمن  إضافة لسرد قصص دليلة والزيبق ، وبعض قصص ألف ليلة وليلة، يقمن أيضا برواية قصص الفرسان الغربيين المشهورين والمترجمة عن الأدب الفرنسي في الغالب، مثل قصة الفارس باردليان وحبيبته فوستا، وبطولتهم في العصور الوسطى خاصة أيام محاكم التفتيش وانتشار المذهب البروتستانتي ومقاومة البابا له . وهذا يدلنا على التميز الذي كان للقدس في هذا المجال، والناتج عن بداية تعليم المرأة وقراءتها لقصص الأدب العالمي.   الرواية الشفوية  هناك رواية شفوية مقدسية لكثير من الأحداث التي مرت بالمدينة ، وكانت تتناقلها الألسن من جيل إلى جيل ، تم تحريف بعضها والزيادة عليه ، بعض هذه الروايات ذكرت في كتب التاريخ بشكل عرضي ودون دخول في تفاصيلها، قلة فقط تركوا لنا مذكرات مكتوبة بعضها يتحدث عن تفاصيل لحدث ما، ولكن تدوين الرواية الشفوية مع الأسف لم يتم إلا من خلال شذرات من هنا وهناك نجدها في بعض الكتب ، ونحن بحاجة الى جهد لتدوين بعض الأحداث ، نبدأها من كبار السن بيننا، ونتحقق من المعلومات بطرق شتى لنصل الى الرواية التاريخية الشفوية الأكثر دقة لحدث ما فنقوم بتوثيقها .. ولعلنا نتدارك الأمر ونبدأ بالعمل لتدوين روايتنا التاريخية المقدسية لأحداث حصلت في النصف الأول من القرن العشرين .   المراجع :قول يا طير /  الدكتور شريف كناعنهالتبات والنبات : الدكتورة لمياء باعشن/ جامعة الملك عبد العزيزدراسه لمصطفى الصوفي/ سورياالاغاني الشعبية في فلسطين / الدكتور عبد اللطيف البرغوثيمقابلات مع كبار السن في القدس.

للكاتب عزام أبو السعود